أبو عباس محمد بن يزيد المبرد ( المبرد النحوي )

174

الكامل في اللغة والأدب

اللّه فاعل فيه ، وأجل باق لا يدري ما اللّه قاض فيه ، فليأخذ العبد من نفسه لنفسه ومن دنياه لآخرته ، ومن الشبيبة قبل الكبر ، ومن الحياة قبل الممات ، فوالذي نفس محمد بيده ما بعد الموت من مستعتب ، ولا بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار . وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أمرني ربي بتسع ، الإخلاص في السّر والعلانية والعدل في الغضب والرضا والقصد في الفقر والغنى ، وأن أعفو عمن ظلمني وأصل من قطعني وأعطي من حرمني ، وأن يكون نطقي ذكرا وصمتي فكرا ونظري عبرة . وحدّثت أنه التقى حكيمان فقال أحدهما للآخر . إني لأحبّك في اللّه . فقال له الآخر : لو علمت مني ما أعلمه من نفسي لأبغضتني في اللّه ، فقال له صاحبه : لو علمت منك ما تعلمه من نفسك لكان لي فيما أعلمه من نفسي شغل . وكان مالك بن دينار يقول : جاهدوا أهواءكم كما تجاهدون أعداءكم . وكان يقول ما أشدّ فطام الكبير . وقيل لعمر بن عبد العزيز أيّ الجهاد أفضل ؟ فقال جهادك هواك . وكان الحسن يقول : حادثوا هذه القلوب فإنها سريعة الدّثور « 1 » ، واقدعوا هذه الأنفس فإنها طلعة وانكم إلا تقدعوها تنزع بكم إلى شرّ غاية . قوله : حادثوا مثل ، ومعناه اجلوا واشحذوا ، تقول العرب حادث فلان سيفه إذا جلاه وشحذه . وقال زيد الخيل : وقد علمت سلامة أنّ سيفي * كريه كلّما دعيت نزال أحادثه بصقل كلّ يوم * وأعجمه بهامات الرجال قوله : أعجمه بهامات الرجال أي أعضّه ، يقال عجمه إذا عضّه والدثور الدروس ، يقال دثر الربع إذا انمحى ومعناه تعهّدوها بالفكر والذكر . وقوله : فإنها طلعة ، يقول كثيرة التشوّف والتنزّي إلى ما ليس لها . وأنشد الأصمعيّ : ولا تملّيت من ماء ولا عمر * إلا بما ساء نفس الحاسد الطلعه ( الرواية الصحيحة بكسر التاء لا غير لأنه يخاطب امرأة تقدم ذكرها في

--> ( 1 ) الدثور : للنفس .